محمد راغب الطباخ الحلبي
368
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
بعد أن حج رجع من طريق الشام وتوجه إلى حلب وأقام بها في رفعة وصولة والناس يعظمونه ويحترمون ساحته . واشتغل مدة بالإقراء فأقرأ التلويح وانكف عن أمور محذورة كان يرتكبها . وكنت إذ ذاك قدمت الشام فبلغني حسن معاملته للناس وانقياده للزمن ، فكتبت إليه قصيدة أولها : أرى الندب من صافي الزمان المحاربا * وأغبى الورى من بات للدهر عاتبا أتعتب من لا يعقل العتب والوفا * ولا همه شيء فيخشى العواقبا وإن ضن لم يسمح بمثقال ذرة * ولم يبق موهوبا ولم يبق واهبا ولا جنة تغنيك إن كان مانعا * ولا منزل يؤوبك إن كان طالبا أحاول شكواه فألقى نوائبا * تهوّن عندي منه تلك النوائبا ولن يسبق الأقدار من كان سابقا * ولا يغلب الأيام من كان غالبا ومن صحب الدنيا ولو عمر ساعة * رأى من صروف الدهر فيها عجائبا وقفر كيوم الحشر أو شقة النوى * يضل القطا أعملت فيه النجائبا وليل كقلب السامريّ قطعته * إلى أن حكى بالفجر أسود شائبا وما كنت أرضى بالنوى غير أنني * جدير بأن لا أرتضي الذل صاحبا فنظمت من در المعاني قلائدا * جعلت قوافيها النجوم الثواقبا ويممت أقصى الأرض في طلب العلا * ولم أصطحب إلا القنا والقواضبا فلاقيت في الأسفار كل غريبة * ومن يغترب يلق الأمور الغرائبا وخلفت من يرجو من الأهل أوبتي * كما انتظر القوم العطاش السحائبا وكم قائل لا قرب اللّه داره * ومن يتمنى لو بلغت المطالبا فعدت على رغم الفريقين سالما * ولم أقض من حق الفضائل واجبا وحسبي وجود ابن الحجازيّ نائلا * به لم أزل ألقى المنى والمآربا فتى قد جهلت العسر منذ علمته * ولانت لي الأيام عطفا وجانبا وأصبح يلقاني العدو مسالما * وقد كان يلقاني الصديق محاربا تخيم فوق الفرقدين مقامه * ومد على أفق السماء مضاربا بعزم يرد الخطب والخطب مقبل * ورأي وتدبير يرد الكتائبا وحزم يميز الحق من غير ريبة * وحكم يذيب الشامخات الرواسيا